دعاة على أبواب جهنم: سعد زغلول والحرب على الحجاب

- لم يحظ طاغوت مصري بشعبية كالتي حظي بها سعد زغلول، حتى لقب بزعيم الأمة، وأطلق على بيته "بيت الأمة" وعلى زوجته صفية أم المصريين.

- ولد سعد في (ذي الحجة 1274هـ = يوليو 1859م) في قرية إبيانة التابعة لمديرية الغربية، وكان والده رئيس مشيخة القرية، وتوفي وعمر سعد خمس سنوات فنشأ يتيما هو وأخوه أحمد فتحي زغلول.
- كان له نشاط بارز في الحياة السياسية المصرية، وربطته بعض العلاقات بزعماء مصر، واللورد كرومر -المعتمد السامي البريطاني في مصر-.
- اختير سعد ناظرا (وزيرا) للمعارف في (شوال 1324هـ = نوفمبر 1906م).
- وفي (صفر 1328هـ = فبراير 1910م) عين ناظرا للحقانية (أي وزيرا للعدل).
- برز سعد زغلول كزعيم للأمة المصرية مع انتهاء الحرب العالمية الأولى، إذ طالب بتشكيل وفد من المصريين لحضور مؤتمر الصلح، فرفضت سلطات الاحتلال البريطاني ذلك واعتقلته ونفته إلى خارج البلاد وكان ذلك سببا في إشعال ثورة 1919 في (جمادى الآخرة 1337هـ= مارس 1919م) التي تعد أول ثورة شعبية بعد الحرب العالمية الأولى.
وفاته: تُوفى سعد زغلول في 23 أغسطس 1927، ودفن في ضريح سعد الذي شيد عام 1931 ليدفن فيه طاغوت الأمة وقائد ثورة 1919. فضلت حكومة عبد الخالق ثروت وأعضاء حزب الوفد الطراز الفرعوني حتى لا يصطبغ الضريح بصبغة دينية ولأن المسلمين لم يتذوقوا الفن الفرعوني فأهملوا ضريحه!

جريمة الزعيم

صحبت "صفية زغلول" زوجها "سعد زغلول" في باريس لحضور مؤتمر الصلح سنة 1920 لعرض القضية المصرية، وقد مكثت صفية ترتدي الحجاب إلى أن عادت مع سعد زغلول إلى مصر بعد عودته من منفاه، وعلى ظهر الباخرة التي نقلتهما إلى الإسكندرية وجد سعد البحر وقد امتلئ بألوف المخدوعين يستقبلونه بالقوارب وقال سعد لصفية: "ارفعي الحجاب" وتدخل "على الشمسي" و "واصف بطرس"!! - من أعضاء الوفد -وعارضا في ذلك فقال سعد زغلول: "المرأة خرجت إلى الثورة بالبرقع ومن حقها أن ترفع الحجاب اليوم"!!، ورفعت صفية زغلول الحجاب (ويبدو أن الأمر استقر أخيراً على أن لا تخلع صفية الحجاب نزولاً على رغبة (واصف بطرس غالي)!!، فقد حكت هدى شعراوي في مذكراتها قصة عودتها على نفس الباخرة التي عاد عليها سعد فقالت: "وقد بدأ – أي سعد – يهنئ على توفيقي في الوصول إلى رفع الحجاب وكيفية عمل الحجاب الشرعي (!) الذي أرتديه وقال: "إنه قد سَرَّ عندما رأى صورتي بهذا الزي الجديد في منفاه"، ثم طلب من السيدة حرمه أن تقلدني فوعدت بذلك.. صعدت إلى ظهر الباخرة للنزول وإذا بصفية هانم تقابلني ببرقعها وملاءتها فقلت لها: "أين وعدك لسعد باشا بارتداء الإزار الشرعي؟"، فقالت :"أنا ليس لي زوج واحد.. واصف باشا غالي استحسن ألا أغير زيي حتى لا أحدث تأثيراً سيئاً في المستقبلين"!!!، فعجبت من ذلك وصافحتها ونزلت إلى اللنش الذي كان في انتظاري" اهـ من (حواء) العدد (1237) 7 يونيو 1980 م.) ثم وقفت إحدى صنائع الاستعمار تخطب في القاهرة في احتفال الشعب المخدوع بقدوم "الزعيم" وطلب منها رفع الحجاب وعندئذ رفعت الحاضرات الحجاب" اهـ (الأخوات المسلمات) ص (255).).
وجاء في جريدة الجمهورية الصادرة في 20 / 4 / 1978 في الذكرى السبعين لموت قاسم أمين تحت عنوان: (تحليل شخصية قاسم أمين):
"ولما تولى سعد زغلول زعامة الشعب في عام 1919 اشترط على السيدات اللواتي يحضرن سماع خطبه أن يزحن النقاب عما سمح الله به من وجوههن وكانت هذه أول مرحلة عملية للسفور" اهـ.
وفي رواية: "نفت بريطانيا "صديقها" سعد زغلول وجماعته إلى جزيرة سيسل فترة ثم أعادته إلى مصر لتوليه رئاسة الوزارة وتوقع معه معاهدة فيكون احتلال بريطانيا لمصر شيئاً رسمياً متفقاً عليه!!"
هيئ الجو في الإسكندرية لاستقبال سعد وأعد سرادق كبير للرجال وآخر للنساء المحجبات وأقيمت الزينات في كل مكان ونزل "سعد" من الباخرة وعلى استقبال حافل وهتافات أخذ طريقه إلى سرادق النساء -دون سرادق الرجال -فلما دخل على النساء المحجبات استقبلته "هدى شعراوي" بحجابها...
فمد يده -يا ويله -فنزع الحجاب عن وجهها تبعاً لخطة معينة وهو يضحك.
فصفقت هدى ... وصفقت النساء لهذا الهتك المشين... ونزعن الحجاب!!
ومن ذلك اليوم أسفرت المرأة المصرية استجابة لـ "رجل الوطنية" سعد، وأصبح الحجاب نشازاً في حياة المسلمة المصرية...


لقد فعل "سعد" بيده ما دعا إليه اليهودي القديم بلسانه فكلفه دمه (لعله يشير إلى ما رواه بن هشام عن محمد بن إسحاق "وذكر عبد الله بن جعفر بن المسور بن مخرمة عن أبي عون ، قال: كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته في سوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ بها فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها، فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهودياً، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فغضبت المسلمون فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع" اهـ من (السيرة النبوية) لابن هشام مع (الروض الأنف) للسهيلي (3/ 137). واسناده مرسل معلق، انظر: (دفاع عن الحديث النبوي والسيرة) للشيخ ناصر الدين الألباني ص (26 – 27).)، أما سعد ...؟! فقد طغت شعبيته بين الناس على تعديه على حُرمات الله فسكت غالبية الناس احتراماً لسعد ونسوا قول الله تعالى: ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ [الحج: 30]
  ((المرأة المسلمة) للشيخ وهبي سليمان غوجي الألباني ص (188).)

ويستنكر الشيخ "مصطفى صبري" رحمه الله هذه الجريمة التاريخية البشعة قائلاً: "وكأني بعلماء الدين سكتوا عند وقوع تلك الحادثة احتراماً لسعد أو انتقده عليه قليل منهم من غير تصريح باسمه كما هو المعتاد عند علماء مصر في النقد، ولكن النهي عن المنكر ليس بجهاد مع الهواء وإن الحق وخاطر الإسلام أكبر من سعد وألف سعد وإني تذكرت هنا سعداً الصحابي رضي الله عنه وقول النبي صلى الله عليه وسلم" فيه (متفق عليه من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال سعد بن عبادة رضي الله عنه: "لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح"، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "تعجبون من غيرة سعد؟، والله لانا أغير منه والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن "الحديث" جامع الأصول – في أحاديث الرسول" "بتحقيق الأرناؤوط (8 /432 .): «أتعجبون من غيرة سعد؟، والله لأنا أغير منه والله أغير مني» ((قولي في المرأة) للشيخ مصطفى صبري رحمه الله (ص 74 – 75).) اهـ.

وإلى يومنا هذا يُقدس العلمانيون سعد زغلول تقديساً ولا عجب في ذلك فقد نجح في إخراج المرأة المسلمة من خدرها لتكون سلعة تُعرض في كل مكان في أرض مصر وأصبح مفهوم الحجاب لدى المسلمات مُشوهاً مصبوغاً بصبغة غربية.

ولك أن تتصور حجم الصفقة الخاسرة التى عقدها سعد زغلول وأمثاله فإن كل امرأة تخرج من بيتها فتمر على الرجال فهى زانية وكل عين تنظر إليها زانية ويحمل سعد زغلول كفلاً من أوزار كل من تبع سنته التى سنها فى المسلمين إلى يوم القيامة.
عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيما امرأة استعطرت ثم خرجت، فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية، وكل عين زانية (السيوطي - الجامع الصغير رقم: 2971 وهو صحيح).


وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المرأة عورةٌ، فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقربُ ما تكونُ من وجهِ ربها وهى في قعر بيتها. (صحيح أخرجه أبن خزيمة صفحة 40 الجزء الأول)
لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ [النحل : 25]
 قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ: مَن سنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسنةً، فلَه أجرُها، و[مثلُ] أجرِ مَن عمِلَ بِها بعدَهُ، مِن غيرِ أن ينقُصَ مِن أجورِهم شيءٌ، ومَن سنَّ في الإسلامِ سَيِّئةً، كانَ علَيهِ وزرُها ، و [ مِثلُ ] وِزرِ مَن عمِلَ بِها من بعدِه، من غيرِ أن ينقُصَ مِن أوزارِهم شيءٌ ، [ ثمَّ تلى هذِه الآيةَ : وَنَكتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ] أخرجه مسلم وابن أبي حاتم والزيادة التي قبل الأخيرة له، وإسنادها صحيح، وللترمذي وصححه.

الأشعرية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا  من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم أما بعد ...
     لا يصح عمل و لا تقبل عبادة  و لا ينجوا أحد من النار إلا إذا أتى  التوحيد و صحح العقيدة لأن العقيدة هي أساس العمل بل أساس القول والعمل وأساس الفعل والترك فهي البناء الذي يبني عليه المؤمن حياته وحركاته وسكناته ومن العقائد المنتشرة بين المسلمين ما يسمى بالعقيدة الأشعرية وهى نسبة إلى أبى الحسن الأشعرى رحمه الله ورضى عنه .
الإمام ابو الحسن الأشعرى
المولود 260 هجرية والمتوفى 324 هجرية
هل العقيدة الأشعرية هى عقيدة أهل السنة والجماعة ؟
ابو الحسن الاشعرى ولد 260 هجرية شب وترعرع وابتلى منذ ولادته بأن زوج أمه كان ابو على الجبائى رأس جماعة المعتزلة فى زمانه فتربى ابو الحسن الاشعرى فى بيت المعتزلة ورضع لبان الاعتزال منذ طفولته ولهذا خرج معتزليا فى أول حياته وظل على ذلك أربعين عاماً .
وبدأ أبو الحسن الأشعرى يتحول لمذهب الحق على رأس عام 300 هجرية أى فى بداية القرن الرابع الهجرى بعد انتهاء القرون الخيرية وكان سبب تحوله مناظرة رجل مع أبو على الجبائى فى مسألة أن الله يجب عليه فعل الاصلح لعباده ( كما فى مذهب الاعتزال ) ( وهذا طبعا لا يصح مع الله فإن الله لا يجب عليه شئ بل كل شئ منه فضل ومنه ولا يصح أن يقول عاقل بأن الله يجب عليه أن يفعل الاصلح لعباده فهذا سوء ادب مع الله والعياذ بالله )
فقال الرجل : يا ابا على ما تقول فى رجل له ثلاثة أبناء مات أحدهم مؤمناً كبيراً فدخل الجنة ومات الثانى صغيراً فدخل الجنة ولكن فى مرتبة أقل من أخيه ومات الثالث كبيراً كافراً فدخل النار فاجتمعوا عند الله فأما الكبير فقال لك الحمد يا رب فعلت لى الأصلح  : أمتنى كبيراً مؤمناً فأدخلتنى فى أعلى درجات الجنة .. وأما الصغير فقال يارب هلا تركتنى أكبُر مثل أخى فأموت مؤمناً فأدخل الجنة فى مثل مقامه ؟  ... فقال له ربه علمت أنك لو بقيت حتى تكبر كفرت ودخلت النار فموتك صغيراً مسلماً على الفطرة أصح لك وأحسن لك وأصلح من موتك كبيراً كافراً فيقول لك الحمد يارب على ما فعلت ........ ثم يأتى الثالث الذى مات كبيراً كافراً فدخل النار فيقول : يارب هلا إن لم تُمتنى كبيراً مؤمناً فأدخل الجنة مع أخى الأكبر أمتنى صغيرا على الفطرة فادخل الجنة مع أخى الثانى فما الأصلح فى موتى كبيراً كافراً ودخولى النار ؟  فأفحم أبو على الجبائى ولم يجد رداً .
وكان أبو الحسن حاضراً لهذه المناظرة فلما سمعها  راجع نفسه بعد أربعين سنة من اعتناقه مذهب المعتزلة فخرج واعتلى المنبر وكان يرتدى طيلسانا على ثيابه وقال : يا أيها الناس لقد كنت كافراً وانا اليوم أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأنخلع من كل ماكنت عليه من اعتزال كما أنخلع من عبائتى تلك – وخلع عباءته وألقاها على الأرض -  وقال انا اليوم مسلم من جديد .
ظل أبو الحسن الاشعرى عشر سنوات بعد عام 300 هجرية بين أهل السنة وبين أهل الاعتزال ولم يكن قد التقى بأهل الحديث وصنف فى هذه الفترة كتاب اللمع فى الرد على أهل الزيغ والبدع والذى يعتمد عليه الأشاعرة فى مذهبهم كله.
بعد  310 هجرية التقى أبو الحسن الأشعرى بالإمام الحافظ الكبير / زكريا بن يحيى السادى إمام أهل الحديث فى زمانه فعلمه طريق السنة فانتقل الأشعرى مرة ثانية من مذهب الكرامية ومن شابههم وابن كلاب ومن معه وانتقل إلى مذهب أهل الحديث حتى مات على ذلك وألف كتبه المشهورة  : الإبانة ومقالات الإسلاميين ورسالة إلى أهل الثغر ويقول فيها جميعاً بأنه فى الاعتقاد على مذهب أبى عبد الله الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة .. فكيف يتمسك الأشاعرة بمذهب أبى الحسن الذى رجع عنه فى كل كتبه المذكورة ؟
ولماذا يجعلون الإمام أبو الحسن الأشعرى (رحمه الله ورضى عنه ) إمام أهل السنة ويتغاضون عن الإمام أحمد بن حنبل وأبو الحسن لم يقدم ما قدمه الإمام أحمد ... ابن حنبل دافع عن السنة حتى جلد ظهره وبقرت بطنه وسجن وعذب .. وأبو الحسن الاشعرى نفسه يقول أنه على مذهب أبى عبد الله الامام احمد بن حنبل حتى يطمأن الناس لعقيدته ويسمعون له ( فقد كان قبل ذلك مبتدعا ) فكيف يجعلون الأشعرى إمام الفرقة الناجية ويتغاضون عن شيخ الأشعرى وإمامه .. وأحمد بن حنبل أولى من الأشعرى بإمامة أهل السنة بشهادة الأشعرى نفسه .
إذا كان أبو الحسن الأشعرى إمام أهل السنة والجماعة والأشاعرة هم أهل السنة والجماعة ومعلوم أنه لم يدخل فى الإسلام حقيقة إلا بعد سنة 300 هجرية .. والسؤال على أى مذهب كان المسلمون فى القرون الثلاثة المفضلة قبل الأشعرى ؟  هل كانوا على بدعة وضلالة ؟  
فان كان قولهم بأن الصحابة كانوا على مذهب الأشاعرة يقصدون به أن الأشعرى وافق الصحابة فى مذهبهم فى النهاية بعد أن رجع عن العقيدة التى دعا إليها فى كتابه ( اللمع فى الرد على أهل الزيغ والبدع - والذى يعتمد عليه الأشاعرة فى مذهبهم كله ) فالأولى أن ينسبوا أبا الحسن للصحابة وليس العكس فيقال أبو الحسن على مذهب الصحابة وليس الصحابة على مذهب أبو الحسن ...  فلا يصح أن أنسب الأب للإبن فأقول هذا الرجل يشبه ابنه .. بل أقول أن هذا الولد يشبه أباه ... وما قالوا على الإمام أحمد بن حنبل وابن القيم وابن تيمية وغيرهم أنهم أئمة أهل السنة إلا لأنهم قالوا بمذهب القرون الثلاثة المفضلة ولو وجد أحد قولاً لأحدهم يخالف مذهب القرون الثلاثة  فليضرب به عرض الحائط ولا يعتبره من مذهب أهل السنة أو السلفية ... فمقولة أن الصحابة كانوا أشاعرة مغالطة كبرى  فالأولى إذاً  أن ننسب الأبعد والأصغر والأقل قدراً إلى الأقرب والأعظم قدراً.

هـــــــذا القــــــــــــــــرأن

هذا القرآن هو كتاب هذه الدعوة هو روحها وباعثها وهو قوامها وكيانها وهو حارسها وراعيها وهو بيانها وترجمانها . وهو دستورها ومنهجها . وهو في النهاية المرجع الذي تستمد منه الدعوة - كما يستمد منه الدعاة - وسائل العمل  ومناهج الحركة وزاد الطريق .

ولكن ستظل هنالك فجوة عميقة بيننا وبين القرآن ما لم نتمثل في حسنا  ونستحضر في تصورنا أن هذا القرآن خوطبت به أمة حية  ذات وجود حقيقي  ووجهت به أحداث واقعية في حياة هذه الأمة  ووجهت به حياة إنسانية حقيقية في هذه الأرض  وأديرت به معركة ضخمة في داخل النفس البشرية وفي رقعة من الأرض كذلك . معركة تموج بالتطورات والانفعالات والاستجابات .

وسيظل هنالك حاجز سميك بين قلوبنا وبين القرآن  طالما نحن نتلوه أو نسمعه كأنه مجرد تراتيل تعبدية مهومة  لا علاقة لها بواقعيات الحياة البشرية اليومية التي تواجه هذا الخلق المسمى بالإنسان  والتي تواجه هذه الأمة المسماة بالمسلمين ! بينما هذه الآيات نزلت لتواجه نفوسا ووقائع وأحداثا حية  ذات كينونة واقعية حية  ووجهت بالفعل تلك النفوس والوقائع والأحداث توجيها واقعيا حيا  نشأ عنه وجود  ذو خصائص في حياة "الإنسان" بصفة عامة  وفي حياة الأمة المسلمة بوجه خاص .

ومعجزة القرآن البارزة تكمن في أنه نزل لمواجهة واقع معين في حياة أمة معينة  في فترة من فترات التاريخ محددة  وخاض بهذه الأمة معركة كبرى حولت تاريخها وتاريخ البشرية كله معها  ولكنه - مع هذا - يعايش ويواجه ويملك أن يوجه الحياة الحاضرة  وكأنما هو يتنزل اللحظة لمواجهة الجماعة المسلمة في شؤونها الجارية  وفي صراعها الراهن مع الجاهلية من حولها  وفي معركتها كذلك في داخل النفس  وفي عالم الضمير  بنفس الحيوية  ونفس الواقعية التي كانت له هناك يومذاك .

ولكي نحصل نحن من القرآن على قوته الفاعلة  وندرك حقيقة ما فيه من الحيوية الكامنة  ونتلقى منه التوجيه المدخر للجماعة المسلمة في كل جيل . . ينبغي أن نستحضر في تصورنا كينونة الجماعة المسلمة الأولى التي خوطبت بهذا القرآن أول مرة . . كينونتها وهي تتحرك في واقع الحياة  وتواجه الأحداث في المدينة وفي الجزيرة العربية كلها وتتعامل مع أعدائها وأصدقائها  وتتصارع مع شهواتها وأهوائها ويتنزل القرآن حينئذ ليواجه هذا كله  ويوجه خطاها في أرض المعركة الكبيرة : مع نفسها التي بين جنبيها  ومع أعدائها المتربصين بها في المدينة وفي مكة وفيما حولهما . . وفيما وراءهما كذلك . .

أجل . .  يجب أن نعيش مع تلك الجماعة الأولى  ونتمثلها في بشريتها الحقيقية  وفي حياتها الواقعية  وفي مشكلاتها الإنسانية  ونتأمل قيادة القرآن لها قيادة مباشرة في شؤونها اليومية وفي أهدافها الكلية على السواء  ونرى كيف يأخذ القرآن بيدها خطوة خطوة وهي تعثر وتنهض  وتحيد وتستقيم . وتضعف وتقاوم . وتتألم وتحتمل . وترقى الدرج الصاعد في بطء ومشقة  وفي صبر ومجاهدة  تتجلى فيها كل خصائص الإنسان  وكل ضعف الإنسان  وكل طاقات الإنسان .

ومن ثم نشعر أننا نحن أيضا مخاطبون بالقرآن في مثل ما خوطبت به الجماعة الأولى . وأن بشريتنا التي نراها ونعرفها ونحسها بكل خصائصها  تملك الاستجابة للقرآن  والانتفاع بقيادته في ذات الطريق .

إننا بهذه النظرة سنرى القرآن حيا يعمل في حياة الجماعة المسلمة الأولى  ويملك أن يعمل في حياتنا نحن أيضا . وسنحس أنه معنا اليوم وغدا . وأنه ليس مجرد تراتيل تعبدية مهومة بعيدة عن واقعنا المحدد  كما أنه ليس تاريخا مضى وانقضى وبطلت فاعليته وتفاعله مع الحياة البشرية .

إن القرآن حقيقة ذات كينونة مستمرة كهذا الكون ذاته . الكون كتاب الله المنظور . والقرآن كتاب الله المقروء . وكلاهما شهادة ودليل على صاحبه المبدع  كما أن كليهما كائن ليعمل . . والكون بنواميسه ما زال يتحرك ويؤدي دوره الذي قدره له بارئه . الشمس ما زالت تجري في فلكها وتؤدي دورها  والقمر والأرض  وسائر النجوم والكواكب لا يمنعها تطاول الزمان من أداء دورها  وجدة هذا الدور في المحيط الكوني . . والقرآن كذلك أدى دوره للبشرية  وما يزال هو هو . فالإنسان ما يزال هو هو كذلك . ما يزال هو هو في حقيقته وفي أصل فطرته . وهذا القرآن هو خطاب الله لهذا الإنسان - فيمن خاطبهم الله به . خطاب لا يتغير  لأن الإنسان ذاته لم يتبدل خلقا آخر  مهما تكن الظروف والملابسات قد تبدلت من حوله  ومهما يكن هو قد تأثر وأثر في هذه الظروف والملابسات . . والقرآن يخاطبه في أصل فطرته وفي أصل حقيقته التي لا تبديل فيها ولا تغيير  ويملك أن يوجه حياته اليوم وغدا لأنه معد لهذا  بما أنه خطاب الله الأخير  وبما أن طبيعته كطبيعة هذا الكون ثابتة متحركة بدون تبديل  .

وإذا كان من المضحك أن يقول قائل عن الشمس مثلا : هذا نجم قديم "رجعي  ؟ " يحسن أن يستبدل به نجم جديد " تقدمي ! " أو أن هذا "الإنسان" مخلوق قديم "رجعي" يحسن أن يستبدل به كائن آخر " تقدمي" لعمارة هذه الأرض !!!

إذا كان من المضحك أن يقال هذا أو ذاك  فأولى أن يكون هذا هو الشأن في القرآن . خطاب الله الأخير للإنسان .

ومن مراجعة نصوص القرآن يتبين أن الوسائل هي الوسائل  والأهداف هي الأهداف . ويتجلى أن هذا القرآن هو قرآن هذه الدعوة  ومرجع هذه الأمة - اليوم وغدا - كما كان قرآنها ومرجعها بالأمس في نشأتها الأولى . وأنه لا يعرض عن استنصاح هذا الناصح واستشارة هذا المرجع في المعركة الناشبة اليوم إلا مدخول يعرض عن سلاح النصر في المعركة  ويخدع نفسه أو يخدع الأمة لخدمة أعدائها القدامى المحدثين في غفلة بلهاء أو في خبث لئيم !

ما هو معنى الدين ؟

شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً 
            بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ آل عمران : 18]

            إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ  
             إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ 
                اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ [آل عمران : 19]

      فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ
    الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ [آل عمران : 20]

      أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ  
   لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ [آل عمران : 23]

                  قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ 
            وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [آل عمران : 31]

                                قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ 
              فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ [ آل عمران : 32]

        قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
      [ آل عمران : 52] قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا 
   وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً 
  مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران : 64]

         مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً 
               وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران : 67]

        أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ 
            طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [ آل عمران : 83 ]

                وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ 
            وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران : 85]

            وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ 
                    إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ [يونس : 84]

 وغيرها كثير ..

بيان معنى "الدين" ومعنى "الإسلام" . . فليس الدين - كما يحدده الله - سبحانه - ويريده ويرضاه - هو كل اعتقاد في الله . . إنما هي صورة واحدة من صور الاعتقاد فيه - سبحانه - صورة التوحيد المطلق الناصع القاطع :   توحيد الألوهية التي يتوجه إليها البشر كما تتوجه إليها سائر الخلائق في الكون بالعبودية . وتوحيد القوامة على البشر وعلى الكون كله . فلا يقوم شيء إلا بالله تعالى  ولا يقوم على الخلائق إلا الله تعالى . ومن ثم يكون الدين الذي يقبله الله من عباده هو "الإسلام" وهو في هذه الحالة : الاستسلام المطلق للقوامة الإلهية والتلقي من هذا المصدر وحده في كل شأن من شؤون الحياة  والتحاكم إلى كتاب الله المنزل من هذا المصدر  وإتباع الرسل الذين نزل عليهم الكتاب . وهو في صميمه كتاب واحد  وهو في صميمه دين واحد . . الإسلام . . بهذا المعنى الواقعي في ضمائر الناس وواقعهم العملي على السواء . والذي يلتقي عليه كل المؤمنين أتباع الرسل . . كل في زمانه . . متى كان معنى إسلامه هو الاعتقاد بوحدة الألوهية والقوامة  والطاعة والإتباع فى منهج الحياة كله بلا إستثناء . 
 

وظيفة الأمة الاسلامية وتميزها

مجدى سعد
النهي عن التشبه بمن دون المسلمين في خصائصهم  التي هي تعبير ظاهر عن مشاعر باطنة كالنهي عن طريقتهم في الشعور والسلوك سواء  لم يكن تعصبا ولا تمسكا بمجرد شكليات  وإنما كان نظرة أعمق إلى ما وراء الشكليات  كان نظرة إلى البواعث الكامنة وراء الأشكال الظاهرة  وهذه البواعث هي التي تفرق قوما عن قوم  وعقلية عن عقلية  وتصورا عن تصور  وضميرا عن ضمير  وخلقا عن خلق  واتجاها في الحياة كلها عن اتجاه  .

عن أبي هريرة - رضي الله عنه – قال : إن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قال : ( إن اليهود والنصارى لا يصبغون  فخالفوهم )  .

وقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم  ] وقد خرج على جماعة فقاموا له : ( لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها ) .

وقال - صلوات الله وسلامه عليه :  ( لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله ) .

نهى عن تشبه في مظهر أو لباس  ونهى عن تشبه في حركة أو سلوك  ونهى عن تشبه في قول أو أدب . . لأن وراء هذا كله ذلك الشعور الباطن الذي يميز تصورا عن تصور  ومنهجا في الحياة عن منهج  وسمة للجماعة عن سمة .

ثم هو نهى عن التلقي من غير الله ومنهجه الخاص الذي جاءت هذه الأمة لتحققه في الأرض  نهى عن الهزيمة الداخلية أمام أي قوم آخرين في الأرض . فالهزيمة الداخلية تجاه مجتمع معين هي التي تتدسس في النفس لتقلد هذا المجتمع المعين  والجماعة المسلمة قامت لتكون في مكان القيادة للبشرية  فينبغي لها أن تستمد تقاليدها - كما تستمد عقيدتها - من المصدر الذي اختارها للقيادة . . والمسلمون هم الأعلون  وهم الأمة الوسط  وهم خير أمة أخرجت للناس  فمن أين إذن يستمدون تصورهم ومنهجهم ؟  ومن أين إذن يستمدون تقاليدهم ونظمهم ؟ إلا يستمدوها من الله فهم سيستمدونها من الأدنى الذي جاءوا ليرفعوه !!

ولقد ضمن الإسلام للبشرية أعلى أفق في التصور  وأقوم منهج في الحياة  فهو يدعو البشرية كلها أن تفيء إليه  وما كان تعصبا أن يطلب الإسلام وحدة البشرية على أساسه هو لا على أي أساس آخر  وعلى منهجه هو لا على أي منهج آخر  وتحت رايته هو لا تحت أية راية أخرى فالذي يدعوك إلى الوحدة في الله  والوحدة في الأرفع من التصور والوحدة في الأفضل من النظام  ويأبى أن يشتري الوحدة بالحيدة عن منهج الله  والتردي في مهاوي الجاهلية , ليس متعصبا  أو هو متعصب  ولكن للخير والحق والصلاح !!

والجماعة المسلمة التي تتجه إلى قبلة مميزة يجب أن تدرك معنى هذا الاتجاه  إن القبلة ليست مجرد مكان أو جهة تتجه إليها الجماعة في الصلاة  فالمكان أو الجهة ليس سوى رمز .. رمز للتميز والاختصاص تميز التصور  وتميز الشخصية  وتميز الهدف  وتميز الاهتمامات  وتميز الكيان .

والأمة المسلمة - اليوم - بين شتى التصورات الجاهلية التي تعج بها الأرض جميعا  وبين شتى الأهداف الجاهلية التي تستهدفها الأرض جميعا  وبين شتى الاهتمامات الجاهلية التي تشغل بال الناس جميعا  وبين شتى الرايات الجاهلية التي ترفعها الأقوام جميعا . . الأمة المسلمة اليوم في حاجة إلى التميز بشخصية خاصة لا تتلبس بشخصيات الجاهلية السائدة  والتميز بتصور خاص للوجود والحياة لا يتلبس بتصورات الجاهلية السائدة  والتميز بأهداف واهتمامات تتفق مع تلك الشخصية وهذا التصور  والتميز براية خاصة تحمل اسم الله وحده  فتعرف بأنها الأمة الوسط التي أخرجها الله للناس لتحمل أمانة العقيدة وتراثها .

إن هذه العقيدة منهج حياة كامل  وهذا المنهج هو الذي يميز الأمة المستخلفة الوارثة لتراث العقيدة .. الشهيدة على الناس .. المكلفة بأن تقود البشرية كلها إلى الله . . وتحقيق هذا المنهج في حياة الأمة المسلمة هو الذي يمنحها ذلك التميز في الشخصية والكيان .. وفي الأهداف والاهتمامات .. وفي الراية والعلامة .. وهو الذي يمنحها مكان القيادة الذي خلقت له  وأخرجت للناس من أجله .. وهي بغير هذا المنهج ضائعة في الغمار  مبهمة الملامح .. مجهولة السمات .. مهما اتخذت لها من أزياء ودعوات وأعلام !

ويُحدِثُ القرآنُ الكريمُ هذه الأمةَ عن حقيقتها الكبيرة في هذا الكون  وعن وظيفتها الضخمة في هذه الأرض  وعن مكانها العظيم في هذه البشرية  وعن دورها الأساسي في حياة الناس  مما يقتضي أن تكون لها قبلتها الخاصة  وشخصيتها الخاصة  وألا تسمع لأحد إلا لربها الذي اصطفاها لهذا الأمر العظيم : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً  [البقرة : 143]    .

إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعا  فتقيم بينهم العدل والقسط  وتضع لهم الموازين والقيم وتبدي فيهم رأيها فيكون هو الرأي المعتمد  وتزن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعاراتهم فتفصل في أمرها  وتقول هذا حق منها وهذا باطل  لا التي تتلقى من الناس تصوراتها وقيمها وموازينها  وهي شهيدة على الناس وفي مقام الحكم العدل بينهم . . وبينما هي تشهد على الناس هكذا , فإن الرسول هو الذي يشهد عليها  فيقرر لها موازينها وقيمها  ويحكم على أعمالها وتقاليدها  ويزن ما يصدر عنها  ويقول فيه الكلمة الأخيرة . . وبهذا تتحدد حقيقة هذه الأمة ووظيفتها . . لتعرفها  ولتشعر بضخامتها  ولتقدر دورها حق قدره  وتستعد له استعدادا لائقا . .

وإنها للأمة الوسط بكل معاني الوسط سواء من الوساطة بمعنى الحسن والفضل  أو من الوسط بمعنى الاعتدال والقصد  أو من الوسط بمعناه المادي الحسي .

( أمة وسطا ) . . في التصور والاعتقاد . . لا تغلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاس المادي  إنما تتبع الفطرة الممثلة في روح متلبس بجسد  أو جسد تتلبس به روح  وتعطي لهذا الكيان المزدوج الطاقات حقه المتكامل من كل زاد  وتعمل لترقية الحياة ورفعها في الوقت الذي تعمل فيه على حفظ الحياة وامتدادها  وتطلق كل نشاط في عالم الأشواق وعالم النوازع  بلا تفريط ولا إفراط  في قصد وتناسق واعتدال .

( أمة وسطا ) . . في التفكير والشعور . . لا تجمد على ما علمت وتغلق منافذ التجربة والمعرفة  . . . ولا تتبع كذلك كل ناعق  وتقلد تقليد القردة المضحك . . إنما تستمسك بما لديها من تصورات ومناهج وأصول ثم تنظر في كل نتاج للفكر والتجريب  وشعارها الدائم : الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها  في تثبت ويقين .
( أمة وسطا ) . . في التنظيم والتنسيق . . لا تدع الحياة كلها للمشاعر  والضمائر  ولا تدعها كذلك للتشريع والتأديب  إنما ترفع ضمائر البشر بالتوجيه والتهذيب  وتكفل نظام المجتمع بالتشريع والتأديب  وتزاوج بين هذه وتلك  فلا تكل الناس إلى سوط السلطان  ولا تكلهم كذلك إلى وحي الوجدان . . ولكن مزاج من هذا وذاك .

( أمة وسطا ) . . في الارتباطات والعلاقات . . لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته  ولا تلاشي شخصيته في شخصية الجماعة أو الدولة  ولا تطلقه كذلك فردا أثرا جشعا لا هم له إلا ذاته . . إنما تطلق من الدوافع والطاقات ما يؤدي إلى الحركة والنماء  وتطلق من النوازع والخصائص ما يحقق شخصية الفرد وكيانه  ثم تضع من الكوابح ما يقف دون الغلو  ومن المنشطات ما يثير رغبة الفرد في خدمة الجماعة وتقرر من التكاليف والواجبات ما يجعل الفرد خادما للجماعة  والجماعة كافلة للفرد في كافلة للفرد في تناسق واتساق .

( أمة وسطا ) . . في المكان . . في سرة الأرض  وفي أوسط بقاعها  وما تزال هذه الأمة التي غمر أرضها الإسلام إلى هذه اللحظة هي الأمة التي تتوسط أقطار الأرض بين شرق وغرب  وجنوب وشمال  وما تزال بموقعها هذا تشهد الناس جميعا  وتشهد على الناس جميعا  وتعطي ما عندها لأهل الأرض قاطبة  وعن طريقها تعبر ثمار الطبيعة وثمار الروح والفكر من هنا إلى هناك  وتتحكم في هذه الحركة ماديها ومعنويها على السواء  .

( أمة وسطا ) . . في الزمان . . تنهي عهد طفولة البشرية من قبلها  وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها  وتقف في الوسط تنفض عن البشرية ما علق بها من أوهام وخرافات من عهد طفولتها  وتصدها عن الفتنة بالعقل والهوى وتزواج بين تراثها الروحي من عهود الرسالات  ورصيدها العقلي المستمر في النماء  وتسير بها على الصراط السوي بين هذا وذاك  .

وما يعوق هذه الأمة اليوم عن أن تأخذ مكانها هذا الذي وهبه الله لها  إلا أنها تخلت عن منهج الله الذي اختاره لها  واتخذت لها مناهج مختلفة ليست هي التي اختارها الله لها  واصطبغت بصبغات شتى ليست صبغة الله واحدة منها  والله يريد لها أن تصطبغ بصبغته وحدها .

وأمة تلك وظيفتها  وذلك دورها  خليقة بأن تحتمل التبعة وتبذل التضحية  فللقيادة  تكاليفها  وللقوامة تبعاتها  ولا بد أن تفتن قبل ذلك وتبتلى  ليتأكد خلوصها لله وتجردها  واستعدادها للطاعة المطلقة للقيادة الراشدة .
سبحان الله العظيم ، لله درك يا سيد قطب .. رحمك الله رحمة واسعة .. كلامك أنفس من الذهب , والعجب : أين جماعة الإخوان من هذا الكلام وهل كان سيد قطب رحمه الله فعلا أحد رجال الإخوان حقيقة ؟؟
لا أظن ذلك أبداً فإن سيد قطب رحمه الله لم ينتسب لجماعة الإخوان إلا بقدر ما انتسب قبلها للوفد وللسعديين ثم لم يجد نفسه فى كل هذا ولكن وجد نفسه فى ظلال القرآن

لماذا أبى الطاغوت إلا أن يشنق سيد قطب رحمه الله

من معالم سيد قطب رحمه الله
1 - [ لابد لنا من التخلص من ضغط المجتمع الجاهلي والتصورات الجاهلية والقيادة الجاهلية .. في خاصة نفوسنا .. ليست مهمتنا أن نصطلح مع واقع هذا المجتمع الجاهلي ولا أن ندين بالولاء له ، فهو بهذه الصفة .. صفة جاهلية .. غير قابل لأن نصطلح معه . إن مهمتنا أن نغيّر من انفسنا أولآ لنغيّر هذا المجتمع أخيرآ . إن مهمتنا الأولى هي تغيير واقع هذا المجتمع . مهمتنا هي تغيير هذا الواقع الجاهلي من أساسه هذا الواقع الذي يصطدم إصطدامآ أساسيآ بالمنهج الإسلامي ، وبالتصور الإسلامي ، والذي يحرمنا بالقهر والضغط أن نعيش كما يريد لنا المنهج الإلهي أن نعيش ]  .

[ تدخل في إطار هذا المجتمع الجاهلي ، جميع المجتمعات القائمة اليوم في الأرض فعلآ : تدخل فيه : المجتمعات الشيوعية المجتمعات الوثنية  المجتمعات اليهودية والنصرانية واخيرآ يدخل في إطار " المجتمع الجاهلي " تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها " مسلمة " ] .

[ الإسلام لايعترف إلا بنوعين من المجتمعات .. مجتمع إسلامي ، ومجتمع جاهلي .. وليس المجتمع الإسلامي هو الذي يضم ناسآ ممن يسمون أنفسهم " مسلمين " ، بينما شريعة الإسلام ليست هي قانون المجتمع ، وإن صلى وصام وحج البيت الحرام .. وبذلك يكون" مجتمعآ جاهليآ " ولو أقر بوجود الله سبحانه ، ولو ترك الناس يقدمون الشعائر لله ، في البيَع والكنائس والمساجد .. و " المجتمع الإسلامي " هو وحده " المجتمع المتحضر " ، والمجتمعات الجاهلية بكل صورها المتعددة ، مجتمعات متخلفة .. ] .

2 - [ إنه لابد من " طليعة " تعزم هذه العزمة  وتمضي في الطريق . تمضي في خضم الجاهلية الضاربة الأطناب في أرجاء الأرض جميعآ . تمضي وهي تزاول نوعآ من " العزلة " من جانب ، ونوعآ من " الإتصال " من الجانب الآخر بالجاهلية المحيطة وعليها أن تعرف أين تلتقي ومع من وكيف تلتقي .. ]

[ لابد إذن في منهج الحركة الإسلامية  أن نتجرد في فترة " الحضانة والتكوين " من كل مؤثرات الجاهلية التي نعيش فيها ونستمد منها ] .

[ إن المجتمع المسلم إنما ينشأ من إنتقال أفراد ومجموعات من الناس من العبودية لغير الله – معه أو من دونه – إلى العبودية لله وحده بلا شريك ، ثم من تقرير هذه المجموعات أن تقيم نظام حياتها على أساس هذه العبودية .. وعندئذ يتم ميلاد لمجتمع جديد ] .

[ في الطريق تكون " المعركة " قد قامت بين المجتمع الوليد الذي إنفصل بعقيدته وتصوره  وإنفصل بقيمه وإعتباراته وإنفصل بوجوده وكينونته عن المجتمع الجاهلي – الذي أخذ منه أفراده – وتكون " الحركة " من نقطة الإنطلاق إلى نقطة الوجود البارز المستقل  قد ميزت كل فرد من أفراد المجتمع ... " الحركة " هي طابع العقيدة الإسلامية وطابع هذا المجتمع الذي إنبثق منها .. إن كل فرد من أفراد هذا المجتمع لابد أن يتحرك .. الحركة في عقيدته ، في دمه  في مجتمعه ]

3 - [ إن التصور الإسلامي للألوهية  وللوجود الكوني  وللحياة وللإنسان  .. تصور شامل كامل . ولكنه كذلك تصور واقعي إيجابي . وهو يكره – بطبيعته – أن يتمثل في مجرد تصور ذهني معرفي .. ويجب أن يتمثل في اناسي  وفي تنظيم حي  وفي حركة واقعية .. وطريقته في التكون أن ينمو من خلال الأناسي والتنظيم الحي والحركة الواقعية  حتى يكتمل نظريآ في " نفس الوقت " الذي يكتمل فيه واقعيآ ... وكل نمو نظري يسبق النمو الحركي الواقعي ولا يتمثل من خلاله  هو خطأ وخطر كذلك .. ] .

[ نحن ، حين نريد من الإسلام أن يجعل من نفسه " نظرية " للدراسة  نخرج به عن طبيعة منهج التكوين الرباني وعن طبيعة منهج التفكير الرباني كذلك ونخضع ألإسلام لمناهج التفكير البشرية ! كأنما المنهج الرباني أدنى من المناهج البشرية ! وكأنما نريد لنرتقي بمنهج الله في التصور والحركة ليوازي مناهج العبيد ! والأمر من هذه الناحية يكون خطيرآ  والهزيمة قاتلة ] .

[ ومرة أخرى أكرر أن التصور الإعتقادي يجب أن يتمثل من فوره في تجمع حركي وأن يكون التجمع الحركي في الوقت ذاته تمثيلآ صحيحآ وترجمة حقيقية للتصور الإعتقادي ]

[ لايتحقق المجتمع المسلم بمجرد قيام القاعدة النظرية .. ولا يتمثلون في تجمع عضوي متناسق متعاون له وجود ذاتي مستقل يعمل أعضاؤه عملآ عضويآ على تأصيل وجوده وتعميقه وتوسيعه وفي الدفاع عن كيانه ضد العوامل التي تهاجم وجوده وكيانه ويعملون هذا تحت " قيادة " مستقلة عن قيادة المجتمع الجاهلي .. تجمع عضوي حركي مستقل منفصل عن المجتمع الجاهلي ومواجه لهذا المجتمع ] .

4 -  الحاكمية
[ إن العالم يعيش اليوم في " جاهلية " من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها جاهلية لاتخفف منها شيئآ هذه التيسيرات المادية الهائلة وهذا الإبداع المادي الفائق . هذه الجاهلية تقوم على أساس الإعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية .. وهي " الحاكمية " .. إنها تُسند الحاكمية إلى البشر – الجاهلية -  فتجعل بعضهم لبعض أربابآ  لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى .. ولكن في صورة إدعاء حق وضع التصورات والقيم  والشرائع والقوانين والأنظمة والأوضاع بمعزل عن منهج الله للحياة وفيما لم يأذن به الله .. فينشأ عن هذا الإعتداء على سلطان الله إعتداء على عباده .. ومهانة " الإنسان " عامة في الأنظمة الجماعية ] .

[ يجب أن تكون السلطة التي تنظم حياتهم هي السلطة التي تنظم وجوده – الكون -  فلا يشذوا هم بمنهج وسلطان وتدبير غير المنهج والسلطان والتدبير الذي يصّرف الكون كله  بل الذي يصرّف وجودهم هم أنفسهم ]

[ والقاعدة النظرية التي يقوم عليها الإسلام – على مدار التاريخ البشري – هي قاعدة " شهادة أن لا إله إلا الله "  أي إفراد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية .. ومعنى هذه القاعدة من الناحية النظرية .. ان تعود حياة البشر بجملتها إلى الله  لايقضون هم في اي شأن من شؤونها  ولا في اي جانب من جوانبها  من عند أنفسهم  بل لابد لهم أن يرجعوا إلى حكم الله فيها ليتبعوه .. ] .

[ والأصول المقررة للإجتهاد والإستنباط كذلك ومعروفة وليست غامضة ولا مائعة .. فليس لأحد أن يقول لشرع يشرعه : هذا شرع الله . إلا أن تكون الحاكمية لله معلنة . وأن يكون " مصدر السلطات" هو الله سبحانه ، لا " الشعب " ولا " الحزب " ولا أي من البشر . ] .

[ في هذا الفصل .. نوضح مدلول " الحاكمية " وعلاقته " بالثقافة " .. إن مدلول " الحاكمية " في التصور الإسلامي لا" ينحصر" في تلقي الشرائع القانونية من الله وحده  والتحاكم إليها وحده  والحكم بها دون سواها .. إن مدلول " الشريعة " في الإسلام لا"ينحصر" في التشريعات القانونية  ولا حتى في أصول الحكم ونظامه وأوضاعه . إن هذا المدلول " الضيق " لايمثل مدلول " الشريعة " والتصور الإسلامي ! إن " شريعة الله " تعني كل ماشرعه الله لتنظيم الحياة البشرية .. وهذا يتمثل في أصول الإعتقاد  واصول الحكم وأصول الأخلاق  واصول السلوك وأصول الثقافة أيضآ .

 5 -  الجهاد :
  تتجلى سمات أصيلة وعميقة في "المنهج الحركي " لهذا الدين جديرة بالوقوف أمامها طويلآ  ولكننا لانملك هنا إلا أن نشير إليها إشارات مجملة :

السمة الأولى :  [ تواجه الحركة ألإسلامية واقعآ بشريآ  تواجه جاهلية إعتقادية وتصويرية تقوم عليها أنظمة واقعية عملية تسندها سلطات ذات قوة مادية .. فتواجه الحركة الإسلامية هذا الواقع كله بما يكافئه .. تواجهه بالدعوة والبيان لتصحيح المعتقدات والتصورات  وتواجهه بالقوة والجهاد لإزالة الأنظمة والسلطات القائمة عليها ...]

السمة الثانية :  [ في منهج هذا الدين : هي الواقعية الحركية .. والذين يسوقون النصوص القرآنية للإستشهاد بها على منهج هذا الدين في الجهاد  ولا يراعون هذه السمة فيه .. الذين يصنعون هذا يخلطون خلطآ شديدآ ويلبسون منهج هذا الدين لبسآ مضللآ  ويحمّلون النصوص مالا تحتمله من المبادئ والقواعد النهائية . ويقولون – وهم مهزومون روحيآ وعقليآ – تحت ضغط الواقع اليائس .. أن الإسلام لايجاهد إلا للدفاع إنهم يسدون إلى هذا الدين جميلآ بتخليه عن منهجه وهو إزالة الطواغيت كلها من الأرض جميعآ ... ويجب تحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة  أو قهرها حتى تدفع الجزية وتعلن إستسلامها والتخلية بين جماهيرها وهذه العقيدة ..]

السمة الثالثة : [هي أن هذه الحركة الدائبة والوسائل المتجددة ، لاتخرج هذا الدين عن قواعده المحددة ، إنما يخاطبهم بقاعدة واحدة ، ويطلب منهم الإنتهاء إلى هدف واحد هو إخلاص العبودية لله ، لامساومة في هذه القاعدة ولا لين ..]

السمة الرابعة :[هي ذلك الضبط التشريعي للعلاقات بين المجتمع المسلم  وسائر المجتمعات الأخرى ، وقيام ذلك الضبط على أساس أن الإسلام لله هو الأصل العالمي الذي على البشرية كلها أن تفيئ إليه ، أو أن تسالمه بجملتها فلا تقف لدعوته بأي حائل من نظام سياسي ، أو قوة مادية ، وأن تخلي بينه وبين كل فرد يختاره أو لا يختاره بمطلق إرادته ، فلا تقاومه ولا تحاربه ! فإن فعل ذلك أحد كان على الإسلام أن يقاتله حتى يقتله أو يعلن إستسلامه ! ] .

[ وقيام مملكة الله في الأرض ، وإزالة مملكة البشر ، وإنتزاع السلطان من أيدي مغتصبيه من العباد ورده إلى الله وحده .. وسيادة الشريعة الإلهية وحدها وإلغاء القوانين البشرية .. كل أولئك لايتم بمجرد التبليغ والبيان ، لأن المتسلطين على رقاب العباد ، والمغتصبين لسلطان الله في الأرض ، لايسلمون في سلطانهم بمجرد التبليغ والبيان ] .

[ والذي يدرك طبيعة هذا الدين – على النحو المتقدم – يدرك معها حتمية الإنطلاق الحركي للإسلام في صورة الجهاد بالسيف – إلى جانب الجهاد بالبيان.. ] .

[ إن الجهاد ضرورة للدعوة .. سواء كان الوطن الإسلامي – بالتعبير الإسلامي الصحيح : دار الإسلام – آمنآ أم مهددآ من جيرانه . فالإسلام حين يسعى إلى السلم لايقصد تلك السلم الرخيصة وهي مجرد أن يؤمّن الرقعة الخاصة التي يعتنق أهلها العقيدة الإسلامية . إنما هو يريد السلم : التي يكون الدين فيها لله ]

[ إن المعسكرات المعادية للإسلام قد يجيئ عليها زمان تؤثر فيه ألا تهاجم الإسلام .. ولكن الإسلام لايهادنها ، إلا أن تعلن إستسلامها لسلطانه في صورة " اداء الجزية " ، ضمانآ لفتح أبوابها لدعوته بلا عوائق .. ]

6 - الإستعلاء .. ونفي الأوطان :
 [ الإستعلاء .. على قوى الأرض الحائدة عن منهج الإيمان . وعلى قيم الأرض التي لم تنبثق من أصل الإيمان . وعلى تقاليد الأرض التي لم يصغها الإيمان ، وعلى قوانين الأرض التي لم يشرعها الإيمان ، وعلى أوضاع الأرض التي لم ينشئها الإيمان ... الإستعلاء .. مع ضعف القوة  وقلة العدد  وفقر المال  كالإستعلاء مع القوة والكثرة والغنى ، سواء .. ]

[ وطن المسلم .. الذي يحن إليه ويدفع عنه ليس قطعة أرض ، وجنسية المسلم التي يعرف بها ليست جنسية حكم وعشيرة المسلم التي يأوي إليها ويدفع عنها ليست قرابة دم  وراية المسلم التى يعتز بها ويستشهد تحتها  ليست راية قوم  وإنتصار المسلم الذي يهفو إليه ويشكر الله عليه ليس غلبة جيش ]

[ فلا وطن للمسلم إلا الذي تقام فيه شريعة الله  فتقوم الروابط بينه وبين سكانه على أساس الإرتباط  بالله , ولا جنسية للمسلم إلا عقيدته التي تجعله عضوآ في " الأمة المسلمة  في " دار الإسلام  ، ولا قرابة للمسلم إلا تلك التي تنبثق من العقيدة في الله ، فتصل الوشيجة بينه وبين أهله في الله .. ليست قرابة المسلم : أباه وأمه وأخاه وزوجه وعشيرته ، مالم تنعقد الآصرة الأولى في الخالق .. ] 

رحمك الله يا سيد قطب رحمة واسعة  
وهل يمكن أن يغمض أى طاغوت عينيه وينام 
وعلى وجه الأرض رجل كتب مثل هذا الكلام ؟
 
نسأل الله أن يكتبك فى الشهداء الأبرار وأن يتجاوز عن سيئاتك وزلاتك ويبدلها جميعها حسنات   
                                 

القول السديد فى سيد قطب

 
قد كثر مؤخراً الكلام على سيد قطب رحمه الله بين طاعن ومادح .. واختلط الأمر على كثير من الشباب .. ومثال ذلك حملة ربيع المدخلي ومن معه من أتباعه ومقلديه .. كالحلبي والهلالي .. على سيد قطب وعلى كتب وفكر سيد قطب رحمه الله  .. فما تقييم ذلك وما هو الرأئ السديد في سيد قطب رحمه الله ..؟؟

عند الحديث عن كبار أهل العلم وإرادة تقييمهم والحكم عليهم بالجرح أو التعديل لا بد من النظر إلى عدة أمور منها : النظر إلى مجموع حسنات العالم ومجموع مواقفه وأحواله .. ومن جهة أخرى النظر إلى مجموع سيئاته أو أخطائه إن وجدت وإجراء عملية الترجيح بينهما وبيان أيهما يغلب ويرجح على الآخر ..!
 
ومنها : رد المتشابه من أقواله وكلامه إلى المحكم .. وبناء الأحكام عليه وعلى أفكاره ومذاهبه من خلال المحكم الصادر عنه وليس المتشابه .. حيث ما من عالم إلا وله عبارات متشابهة حمالة أوجه لو أخذت بمفردها وحوكم على أساسها لظلم العالم وفُهم خطأ وربما لضلل وفُسق .. ولكن عندما يرد هذا المتشابه إلى المحكم من كلامه ومواقفه، فإن الصورة تتضح أكثر ويكون الحكم والقرار أقرب إلى الإنصاف والعدل .
  
ومنها : النظر إلى مجموع مراحل الطلب والالتزام الذي مر بها العالم .. والتفريق بين مراحل ما قبل الالتزام ـ إن وجدت ـ وبين مراحل ما بعد الالتزام واعتماد المراحل الأخيرة من حياته واجتهاداته وإطلاقاته .. فالعبرة بالخواتيم وبما يُختم به على المرء 
  
 فمن الظلم كل الظلم أن تقيم الإنسان من خلال حياته المنحرفة أيام جاهليته ـ إن وجدت ـ  وتغض الطرف عن مرحلة ما بعد ذلك من التوبة والاستقامة والالتزام والجهاد التي خُتمت بها حياته ..!
   
ومنها : مراعاة الظروف والأجواء والملابسات المحيطة به لحظة وقوع العالم في الخطأ .. فهي تعيننا على فهم مراده وقصده مما قد أخطأ فيه .. والدافع الذي حمله على الوقوع في الخطأ !  ثم أن هذه الأجواء والملابسات المحيطة به إن لم تمنع من تخطئته والإشارة إلى قوله أو فعله بأنه خطأ إلا أنها قد تمنع تكفيره أو تضليله وتفسيقه ..!
 
ومنها : التجرد من الهوى والتحامل المجحف والأحكام المسبقة عندما يريد الإنسان أن يقيّم إنساناً آخر، وبخاصة إن كان هذا الآخر عالماً من علماء الأمة له سابقة جهاد وبلاء في سبيل الله .. وما أقل هؤلاء المنصفين المتجردين من أهوائهم للحق في زماننا !!
   
فهذا التمهيد هام وضروري بين يدي الجواب على السؤال الوارد أعلاه والخاص بسيد رحمه الله .. وألخص الجواب على هذا السؤال في النقاط التالية :
 
 1-  مر سيد قطب رحمه الله في حياته في ثلاثة مراحل: مرحلة ما قبل الالتزام ومرحلة التحول إلى الإسلام والعمل الإسلامي ومرحلة النضج والالتزام والانطلاق الجاد في الدعوة لهذا الدين والجهاد في سبيل الله وهذه مراحل المتأخر منها ناسخ لما تقدم منها .
   
فمرحلة ما قبل الالتزام بالدعوة والعمل الإسلامي امتدت تقريباً إلى سنة 1945 .. تقلب فيها سيد بين حزبي الوفد والسعديين ومناصرة العقاد وأدبه وفكره .. وفي هذه المرحلة كتب سيد مقالات وأبحاث عدة يؤخذ عليه كثير مما كتب فيها .. ولو أراد المرء أن يقيم سيد من خلال كتاباته ومواقفه في تلك المرحلة التي أنهاها بكتابه المعروف " بالتصوير الفني في القرآن " لخرج بطامات لا يستهان بها في ميزان العقيدة والتوحيد .. ولكنها حياة منسوخة بالنسبة لسيد بما صدر عنه فيما بعد من كتابات ومواقف .
 
فليس من الإنصاف والعدل أن يعكف المرء على كتابات سيد في تلك المرحلة ـ التي يسميها سيد نفسه في أكثر من موضع في الظلال وغيره بأنها مرحلة الضياع ـ ثم يخرج للناس ليقول لهم انظروا ماذا يقول سيد .. وهذه هي مواقف سيد  ؟!!

   أما المرحلة الثانية : وهي مرحلة التحول إلى العمل الإسلامي والتي انتهت تقريباً في نهاية عام 1950 .. في هذه المرحلة تجرأ سيد على الكتابة في مسائل لم يُسبق إليها من أحد  وقبل أن يتمكن من علوم الإسلام وبخاصة منها علمي الحديث والفقه مما أدى إلى وقوعه في بعض الأخطاء التي أخذت عليه كما في كتابه " العدالة الاجتماعية " الذي يُعتبر أول كتاب إسلامي له .. والذي كتبه عام 1948 تقريباً في أوج استفحال الاشتراكية وانتشارها في الأمصار مما حمل بعض الدعاة آنذاك أن يتكلموا ويكتبوا عن اشتراكية الإسلام مواكبة للتيار الجارف الداعي للاشتراكية .. من جملة هذه الأخطاء التي أخذت على سيد في كتابه المذكور طعنه ببعض الصحابة وعلى رأسهم عثمان بن عفان رضي الله عنهم أجمعين .. معتمداً في ذلك على روايات غير محققة وأكثرها موضوعة ومكذوبة ـ من صنع الروافض ـ لا تصح من حيث السند ولا من حيث المعنى ..!
   فإن قيل أن سيد قطب لم يكن يريد الطعن لمجرد الطعن على طريقة الروافض الخبثاء .. وإنما أراد أن يظهر عظمة النظام الاقتصادي في الإسلام وما كان قد اعترى هذا النظام من فساد وانحراف في أواخر عهد الخليفة الثالث عثمان رضى الله عنه ..؟!
    أقول : مهما قيل عن الدافع والملابسات التي حملت سيد ـ في تلك الحقبة والمرحلة ـ على النقد الجارح لبعض الصحابة رضي الله عنهم فهو مخطئ  وخطأه مردود عليه لا يُتابع فيه  .. !
  لكنها مرحلة كذلك لا يجوز أن يُقيم سيد رحمه الله من خلالها .. وبخاصة أنه يُنقل عن سيد أنه تخلى عنها وعن كثير مما كتب فيها .. كما يُنقل ذلك عن أخيه محمد قطب وغيره من الباحثين [ انظر سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد، ص 509 ]!

   المرحلة الثالثة : وهي مرحلة النضج والجهاد والبلاء .. التي تعتبر ناسخة لجميع مراحل حياة سيد المتقدمة والتي بدأت في أوائل الخمسينيات .. وانتهت بنهاية حياة سيد معلقاً على أعواد مشانق الطواغيت، بعد عدة سنوات قضاها في سجون الظالمين  !!
  وفي هذه المرحلة الناسخة صدر عن سيد رحمه الله الكتب التالية: الظلال وهذا الدين والمستقبل لهذا الدين وخصائص التصور الإسلامي ومقومات التصور الإسلامي والإسلام ومشكلات الحضارة وكتابه العظيم معالم في الطريق ..
   فمن أراد أن يقيّم سيد قطب وإنجازه العلمي عليه أن يعكف على هذه المرحلة من حياته وعلى إنجازاته العلمية التي أنجزها في تلك المرحلة الجادة من حياته .

    2 -  عند تقييم سيد ـ رحمه الله ـ ينبغي النظر إلى جميع جوانب سيد : الإبداعية العلمية منها إضافة إلى مواقفه الدعوية والجهادية وما تعرض له من بلاء وتعذيب في سبيل الدعوة إلى الله .. كما ينبغي النظر إلى الخاتمة التي ختم عليها سيد التي تجب ما قبلها وهي خاتمة خير وشهادة إن شاء الله ولا نزكيه على الله .. فهذا كله يجب أن يكون معتبراً عند التقييم والحكم على سيد قطب رحمه الله !

   فكثير من الدعاة يكتب كتابات جيدة ومنمقة .. ولكن لا يواكبها مواقف دعوية ترقى بصاحبها إلى مستوى الكلمات التي خطها في كتبه .. ولو نظرت إلى كثير من هؤلاء لوجدتهم يتوسدون عتبات الطواغيت يستعطفونهم المن والعطاء .. مع علمهم أن الطاغوت لا يمكن أن يقبل منهم مقابل ذلك العطاء أقل من الولاء والجدال عنه في الباطل والزور .. فمثل هؤلاء أنى تنفعهم كتبهم ومؤلفاته المنمقة والمدعومة .. وهم في نفس الوقت يكذبونها بمواقفهم العملية والتي هي أصدق تعبيراً عما في أنفسهم من أمراض وآفات !!

   3 -  قد وقع سيد قطب رحمه الله في أخطاء لا يُتابع فيها ولا يُقر عليها .. ويُحذر منها ـ أي من الأخطاء ـ كل من أراد أن يطالع كتب سيد .. من تلك الأخطاء: وقوعه في التأويل المذموم وموافقته لمذاهب الأشاعرة في الصفات .. ومنها قوله بعدم حجية خبر الآحاد في العقائد وهذا بخلاف ما عليه أهل السنة والجماعة .. !

   فهذه الأخطاء لا يُتابع عليها سيد .. ويجب الاعتراف بأنها أخطاء وأن سيداً قد أخطأ في تلك المسائل .. وأنه لم يوفق إلى الحق والصواب فيها .. وهذا طبع البشر المجبولين على الخطأ .. والكمال عزيز .. وجلّ من لا يُخطئ  !!

  4 -  لم يكن سيد هو أول وآخر من أخطأ في مسائل الصفات .. وكذلك خبر الآحاد .. فإن كثيراً من فحول الأمة وعلمائها الأقدمين قد وقعوا في هذا النوع من الخطأ .. وسيد متابع لهم ولأقوالهم .. وذلك لم يمنع من إنصافهم والثناء عليهم بما أصابوا فيه .. والاستفادة من علومهم وكتبهم  النافعة !!

   فالإنصاف في هذه الحالة يقتضي أن يُقال: أصاب سيد في كذا .. وأخطأ في كذا .. وليس أخطأ في كذا ونعمي العين ـ لهوى متبع ـ عما قد أصاب فيه وأجاد .. وما أضخم هذا الجانب عند سيد رحمه الله ؟!!

    5 -  لسيد قطب ـ رحمه الله ـ حسنات تتمثل في جهاده وصدعه بالحق وبلائه الكبير في سبيل هذه الدعوة .. نرجو إن شاء الله أن تكون كفارة له عما قد أخطأ فيه .. فإن الحسنات يذهبن السيئات .. وكذلك البلاء فإنه يطهر صاحبه من الخطايا والذنوب والآثام إلى أن يجعله يمشي على الأرض وما عليه خطيئة واحدة .. والبلاء بالنسبة للمؤمنين وبخاصة منهم العلماء العاملين قرينة صريحة على قوة الإيمان والدين .

   كما في الحديث :" يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه فما يزال بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة " وقال صلى الله عليه وسلم :" وما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة ". وقال صلى الله عليه وسلم :" أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل  .

    وسيد قطب ـ رحمه الله ـ قد ابتلي بلاء شديداً في سبيل الدعوة إلى الله وإلى دينه .. في سبيل شهادة التوحيد أن لا إله إلا الله .. حيث امتد اعتقاله في زنازين الطواغيت إلى أكثر من عشر سنوات .. إلى أن صدر الطاغوت بحقه حكم الإعدام شنقاً .. وكان سيد رحمه الله بإمكانه أن يريح نفسه من كل هذا العناء بكلمة اعتذار يخطها للطاغوت كما كان يتمنى الطاغوت ذلك منه ـ كلمة اعتذار بل كلمات تبجيل وولاء وفداء  يخطها كثير من الدعاة في هذا الزمان ممن ينقمون على سيد جهاده وصبره على البلاء .. من أجل فتات يسير يرميه إليهم الطاغوت أو حظ من حظوظ الدنيا يلتمسونه عنده .. وليس من أجل أن يعتقوا رقابهم من حكم الإعدام شنقاً ـ ولكن أبى سيد إلا أن يكون صادقاً مع الكلمة التي طالما كتب ودافع عنها ألا وهي شهادة التوحيد لا إله إلا الله .. وإن أدى ذلك إلى تعليقه على أعواد مشانق الطواغيت الظالمين !

    6 -  قبل أن يلتزم سيد بالإسلام كان أديباً حاذقاً .. قد اشتغل بالأدب وفنونه كتابة وقراءة وتدريسا حتى فاق فحول الأدب والبلاغة في زمانه .. وهذا ـ مما لا شك فيه ـ قد أثر على أسلوبه عندما كتب عن الإسلام في مراحله المتأخرة .. لذا قد يجد القارئ أحياناً بعض العبارات والاطلاقات المشكلة على الأفهام يغلب عليها الطابع الأدبي البياني .. فليس من العدل مثلاً أن يُحكم على " الظلال " هذا العمل النافع الضخم الذي تجاوزت عدد صفحاته أربعة آلاف صفحة .. بأنه " ضلال وظلام " وغير ذلك من الأوصاف الجائرة المجحفة .. من أجل تلك الاطلاقات أو العبارات المشكلة على الأفهام

    ليس من العدل والإنصاف أن يُحكم على " الظلال " هذا الكتاب العظيم .. الذي تجاوزت عدد صفحاته أربعة آلاف صفحة بالحرق والتلف ـ كما يقول بذلك بعض المعاصرين المشبوهين ـ من أجل أخطاء قد تحصر في صفحة أو صفحتين ..؟!!

   ولو صح هذا المنطق الأعوج الظالم  لتعين حرق كتب ومؤلفات جميع أهل العلم .. ولما بقي كتاب لعالم سالماً للأمة  !

    فما من عالم إلا وأخذ عليه في مسألة ومسائل .. وما من كتاب إلا وقيل فيه ورد عليه .. حاشا كتاب الله تعالى .. والكتب الحاوية للسنة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم .

   7 -  ما وقع فيه سيد من خطأ ـ قد تقدمت الإشارة إليه ـ لم يمنع الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني ـ رحمه الله ـ من أن يثني خيراً على سيد وأن يستدل بكلام سيد كما في مقدمة كتابه " مختصر العلو " حيث استدل بكلام لسيد قطب ـ بصيغة المدح والتأييد ـ ما يعادل ثلاث صفحات، وابتدأ كلامه: فها هو الأستاذ الكبير سيد قطب رحمه الله .. وبدأ بسرد كلامه ..!

   والسؤال :  إذا كان الشيخ الألباني يصف سيد قطب بالأستاذ الكبير ويترحم عليه .. ويستدل بكلامه في أكثر من ثلاث صفحات متتاليات في مقدمة الكتاب فقط .. فكيف بربيع المدخلي ومن تابعه من المقلدة الجهال يشتمون سيداً ويرمونه بالضلال وغير ذلك من الاطلاقات الجائرة .. ويحذرون منه ومن كتبه ..؟!

    فأيهما : على حق وصواب الشيخ ناصر أم المدخلي ..؟!!

    وأيهما أدرى بمبادئ وقواعد الجرح والتعديل .. الشيخ ناصر أم المدخلي ..؟!!

    وأيهما أولى بالاتباع والتقليد ـ إن جاز التقليد في مثل هذه المواضع ـ الشيخ ناصر أم المدخلي ..؟!

وأيهما السلفي ويمثل الرأي السلفي المعاصر الشيخ ناصر أم المدخلي ..؟!

    قلتم : أن الشيخ بكر أبو زيد قد أخطأ وخرج عن السلفية .. ونصر أهل البدع .. عندما لم يوافق المدخلي على جهالاته وإطلاقاته الجائرة بحق سيد رحمه الله .. فهل تجرؤون أن تقولوا في الشيخ ناصر ما قلتموه في الشيخ بكر ..؟!

  8 -  ومما استدل به الشيخ ناصر من كلام سيد بصيغة المدح والتأييد .. هو نفسه مما ينكره المدخلي على سيد أشد الإنكار ويعتبر  ـ بسبب جهله لقواعد التكفير ـ أن سيداً قد كفر الناس  والمجتمعات بهذه الكلمات ..!!

   وإليك الكلمات التي استدل بها الشيخ ناصر من كلام سيد رحمهما الله تعالى فقال الشيخ ناصر: ثم ذكر ـ أي سيد ـ رحمه الله عاملين آخرين ثم قال:" نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم . كل ما حولنا جاهلية .. تصورات الناس وعقائدهم عاداتهم وتقاليدهم موارد ثقافتهم فنونهم وآدابهم شرائعهم وقوانينهم حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية ومراجع إسلامية وفلسفة إسلامية وتفكيراً إسلامياً .. هو كذلك من صنع هذه الجاهلية .. فلا بد إذن في منهج الحركة الإسلامية أن نتجرد في فترة الحضانة والتكوين من كل المؤثرات الجاهلية التي نعيش فيها ونستمد منه ..".

    هذا الكلام يستدل به الشيخ الألباني بصيغة المدح والتأييد كما في مقدمته لكتابه مختصر العلو  .. بينما المدخلي يعتبر هذا الكلام ـ بسبب جهله بضوابط وقواعد التكفير ـ أنه تكفير للناس والمجتمعات بأعيانها ..!!

   ومما حمل المدخلي على الحنق والحقد على سيد هذه العبارات وأمثالها التي تغيظ الطواغيت الظالمين .. ولكن أنظر ـ أيها الأخ السائل ـ الفرق بين موقف وفهم الشيخ ناصر لهذه الكلمات وبين موقف وفهم المدخلي لها

  ونعيد هنا ما كنا قد سألناه من قبل: أيهما السلفي ويمثل السلفية المعاصرة الشيخ ناصر .. أم المدخلي .. وأيهما أكثر فهماً للسلفية الشيخ ناصر أم المدخلي ..؟!!

وأيهما أكثر غيرة على السلفية الشيخ ناصر أم المدخلي ..؟!!

  9 -  كل ما تقدم يجعلنا نضع إشارات استفهام عديدة على موقف ربيع المدخلي المغالي تجاه سيد قطب وكتب سيد قطب  ..؟!

   ما الذي حمله على هذا الحنق والحقد وهذه الدعاية المكثفة ضد سيد وكتبه تحديداً .. أهو نصرة الحق والمنهج السلفي كما يدعي .. أم الرغبة الجامحة في خدمة طواغيت الحكم المعاصرين الذين تغيظهم كتب وأفكار سيد .. من خلال تنفير الناس عن فكر وكتب سيد رحمه الله ؟!

   من المستفيد من هذه الحملة الشعواء الطائشة على سيد وفكره وكتبه .. طلاب العلم .. المنهج السلفي .. أم طواغيت الحكم والكفر والجور .. الذين استهدفهم سيد في كثير من كتاباته وكلامه ومواقفه  ؟!

  آتوني بطاغوت واحد من طواغيت الأرض ممن يحكمون المسلمين بقوانين الكفر والشرك والظلم .. قد تكلم عليه ربيع المدخلي كلمة واحدة .. وليس كما يتكلم على سيد .. أو ألف فيه مقالاً وأوراقاً وليس كتباً ومؤلفات كما كتب في سيد .. أو حذر الأمة من شره وكفره وخطره كما يحذر الناس من سيد ومن فكره ..؟!

  أم أن تحذير الأمة من كفر الطواغيت وإجرامهم وباطلهم لا تخدم الدعوة السلفية والشباب السلفي .. كالتحذير من سيد وكتبه ؟!!

  كل هذا مما يجعلنا نضع عشرات إشارات الاستفهام على هذه الحملة المشبوهة والمريبة التي يتزعمها ربيع المدخلي ومن معه من أتباعه ومقلديه .. كالحلبي والهلالي .. على سيد وعلى كتب وفكر سيد رحمه الله تعالى .

  القضية لو وقفت عند نقد سيد قطب فيما قد أخطأ فيه وبيان الحق في ذلك ـ من غير جنوح إلى إفراط ولا تفريط ـ وبتجرد وإنصاف لما وجدت مشكلة ـ حول سيد ـ مع ربيع المدخلي ولا غيره ممن يقلدونه .. لأنه لا أحد يقول بعصمة سيد أو أنه فوق أن يُعقب عليه .. بل هو ممن يخطئ ويصيب .. يؤخذ منه ويرد عليه .. ولكن ذلك كله ينبغي أن يكون في حدود الإنصاف والعدل الذي ينبغي أن يتحلى به الباحث الإسلامي .. وهذا لم نلمسه من المدخلي عندما يكتب أو يتكلم عن سيد قطب وجهاد سيد قطب وعلم سيد قطب ..!!

    رحم الله سيد قطب رحمة واسعة .. وعفا عنه وعن زلاته وأخطائه .. وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء .. كما صدع بالحق .. وأبان الطريق .. وجاد بنفسه في سبيل الله .. وخط ببنانه الظلال ومعالم في الطريق .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.     


من هو سيد قطب رحمه الله تعالى

ولد سيد قطب عام 1906 . وأعدم عام 1966 .* استقال من وزارة المعارف المصرية / مراقب بمكتب وزير المعارف - إسماعيل القباني / عام 1954 بسبب عدم تبني الوزارة لإقتراحاته ذات الميول الإسلامية .

* اعتقل ضمن زعماء الإخوان في محاولة إغتيال عبد الناصر عام 1954 - بعد الإستقالة - وتم الإفراج عنه بتدخل الرئيس العراقي / عبد السلام عارف / عام 1964

* له العديد من المقالات الأدبية والتربوية والإجتماعية والسياسية .

* كانت أكبر علاقاته المميزة مع / عباس محمود العقاد / أستاذ / سيد قطب / . وهوجم كثيرآ بسبب هذه العلاقة الأدبية والفكرية ، وخاصة من بعض الإسلاميين  ومن حزب الوفد الذي كان عضوآ فيه وعضوآ بعدها في حزب السعديين قبل إنضمامه لجماعة الإخوان المسلمين .

قال في هذه الأحزاب : [ لم أعد أرى في حزب من هذه الأحزاب مايستحق عناء الحماسة له والعمل من أجله ] .

* تروى بعض المصادر : ان الضباط الأحرار قبيل الثورة كانوا يتشاورون مع سيد قطب حول الثورة واسس نجاحها . والذي يؤكد ذلك : أنه تم تعيينه من قبل قيادة مجلس الثورة مستشارآ للثورة في أمور داخلية وأوكلت له مهمة تغيير المناهج التعليمية التي عُمل بها في مصر وكانت هرمة متخلفة .

* كان لمقالاته أهمية كبيرة والتي دعا فيها الشعب المصري للخروج على سياسة القهر والرجعية المصرية قبل الثورة .

* حاول سيد قطب التوفيق بين عبد الناصر وجماعة الإخوان المسلمين ولم يفلح فإنضم إلى الجماعة وإنحاز إليها  ورفض جميع المناصب التي عرضت عليه من الثورة مثل : منصب وزير المعارف .

* كان إعدام / سيد قطب / من أكبر أخطاء نظام عبد الناصر .. رغم دعوته إلى قلب نظام الحكم وتحويله إلى نظام إسلامي صرف .

* يعتبر / سيد قطب / أن المجتمع الإسلامي لايمكن تحقيقه إلا بقيام عصبة مؤمنة تفاصل المجتمعات الجاهلية ثم تتحرك لإزالة هذه المجتمعات بالقوة . فمعركة الصراع بين المجتمعات الجاهلية والإسلام هي معركة لاتتوقف .

* يدعو / سيد قطب / إلى مواجهة النظم الداخلية التي يرى أنها جاهلية ثم يعتبر أن دار الإسلام هي الدار الوحيدة التي يمنحها المسلم ولاءه وأن العالم كله هو دار حرب يقف المسلم منه موقف حرب حتى يدفعوا الجزية ...

* هاجم نظام الثورة ونظام عبد الناصر ، بإعتباره يستلهم القيم الغربية ذات الروح الصليبية اليهودية .

* وقفت جماعات عديدة من الأخوان المسلمين ضده إذ رأت أن الطرح الجديد لسيد قطب يسير في الإتجاه المعاكس لما كان قادة الجماعة قد وصلوا إليه وخاصة في الأفكار التي أرساها كتاب ( دعاة لا قضاة ) من أفكار مؤسس الجماعة  حسن البنا رحمه الله  .

* مر / سيد قطب / في حياته بثلاثة مراحل : ماقبل الإلتزام - مرحلة التحول إلى الإسلام والعمل ألإسلامي - مرحلة الإلتزام والإنطلاق في الدعوة إلى : الدين  والجهاد

-  في المرحلة الأولى : يؤخذ عليه كتابه المعروف ( التصوير الفني في القرآن ) وهو طامات كبرى في ميزان العقيدة والتوحيد . كأحد المآخذ الكثيرة التي تؤخذ عليه من خلال كتاباته ومواقفه .

-  في المرحلة الثانية : حتى 1950 تجرأ على الكتابة في مسائل قبل أن يتمكن من علوم الإسلام وبخاصة منها علوم الحديث والفقه مما أدى إلى وقوعه في بعض الأخطاء كما في كتابه ( العدالة الإجتماعية ) الذي صدر عام 1948 داعيآ إلى الإشتراكية وطعنة في الصحابة وعلى رأسهم / عثمان بن عفان / لما إعترى النظام من فساد وإنجراف وإنحراف بسببه . فكانت حقبة النقد الجارح لبعض صحابة رسول الله .

-  المرحلة الثالثة : مرحلة الدعوة للجهاد والتمرد من 1950 وحتى 1966 تاريخ إعدامه .

* إعتبره كثير مبدعآ أدبيآ وكاتبآ ناقدآ وفاق فحول زمانه بالأدب وفنونه وفي الكتابة والقراءة والتدريس .

* وقع / سيد قطب / في أخطاء - كما يؤخذ عليه - لا يُقر عليها  ولا يُتابع فيها  ويُحذر منها .

مثل : وقوعه في التأويل المذموم وموافقته لمذاهب " الأشاعرة " في صفات الله  ومنها أيضآ قوله : بعدم حجية خبر الآحاد في العقائد  وهذا بخلاف ماعليه أهل السنة والجماعة .

* هوجم كثيرآ على كتابه ( في ظلال القرآن ) وبأنه : ضلال وظلام  وأوصاف مجحفة كثيرة  مع بعض الدعوات لإحراقه وإتلافه - 4000 صفحة - .

* كان من المعتدلين الذين وقفوا منه موقف متوازن : الشيخ المحدث / محمد ناصر الدين الألباني / رحمه الله . فكان يصفه [ بالأستاذ الكبير سيد قطب ] .

* كان ممن هاجموه بشده / ربيع المدخلي / وأنصاره ومريدوه ووصفوه بالضلال والجهل  وغير ذلك من الألفاظ الجائرة . كذلك : الحلبي ، والهلالي وطائفة كبيرة من العلماء .

وأخيرآ ... وكبداية لمدخل قادم عن فكر / سيد قطب رحمه الله تعالى / أثبت مقولته التالية :
[ نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم . كل ماحولنا جاهلية .. تصورات الناس وعقائدهم  عاداتهم وتقاليدهم  موارد ثقافتهم فنونهم وآدابهم  شرائعهم وقوانينهم  حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية  ومراجع إسلامية  وفلسفة إسلامية  وتفكيرآ إسلاميآ .. هو كذلك من صنع هذه الجاهلية .. فلا بد إذآ في منهج الحركة الإسلامية  أن نتجرد في فترة الحضانة والتكوين  من كل المؤثرات الجاهلية التي نعيش فيها ] ...

 وفسر كثيرون من مهاجمى سيد قطب هذا الكلام على أنه تكفير بالجملة للمجتمعات الإسلامية ولكن هذا فيه إجحاف كبير فليس هذا هو المفهوم الصحيح لكلام سيد قطب رحمه الله فالجاهلية ليست مرادفا  للكفر أبداً ولكنها صفة قد توجد فى المسلم وغير المسلم .. ولهذا حديث أخر إن شاء الله تعالى .

تغطية وجه المرأة عند الأئمة الأربعة

























  • من الأخطاء شديدة الشيوع بين عامة المسلمين وخاصتهم نسبة جواز كشف المرأة لوجهها لأئمةٍ ثلاثة من الأئمة الأربعة    { أبى حنيفة ومالك والشافعى } ، والحقيقة العلمية أنه لم يتحدث أبو حنيفة ومالك والشافعي في كشف الوجه بذاته وإنما تحدثوا عن لزومه { كشف الوجه } للأحكام كالصلاة والإحرام والظهار فيأخذون نصاً من سياقه لمعنى جديد.
  • وإن جميع الأقوال التي ينسبونها خطأً لأبي حنيفة ومالك والشافعي في إباحة كشف المرأة لوجهها غير محررة , وهى ليست إلا أقوالاً لفقهاء من الشافعية والمالكية والحنفية ولا يُنسب شئٌ منها لأئمة المذاهب  .
  • قال الإمامُ محمد بن علي بن عبد الله بن إبراهيم بن الخطيب اليمني الشافعى المشهور بابن نور الدين (المَوْزِعي) (مُتوفى 825هـ) : "الأئمة كمالك والشافعيِّ وأبي حنيفة لم يتكلموا إلا في عورة الصلاة" .
  • وإذا بحث الباحثُ في جميع كُتُب الأئمة مالك والشافعي وأبي حنيفة رحمهم الله رحمة واسعة وكذلك في ومسائلهم فلن تجدَ قولاً  صريحاً لأى منهم يجيز كشف الوجه بل إن الثابت تأكيدهم على سترهِ . أما أتباعهم فنعم .
  • قال الإمام الشافعى - رحمه الله تعالى - في كتابه الأم : "إن طافت بالنهار سدلت ثوبها على وجهها"
  • وهنا أكد الإمام الشافعى على سدلها ثوبها على وجهها بالرغم من أن مذهب الإمام الشافعى – رحمه الله – تحريم استخدام المرأة المُحرمة للنقاب لستر وجهها ، كما في حديث النبى – صلى الله عليه وسلم – الذى أخرجه البخارى عن نافع عن ابن عمر : أنه قال : "قام رجل فقال : يا رسول الله ! ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الحرم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تلبسوا القمص ولا السراويل ولا البرانس ولا العمائم ولا الخفاف إلا أن يكون أحد ليست له نعلان فليلبس الخفين وليقطعهما ما أسفل من الكعبين ولا تلبسوا شيئا من الثياب مسه الزعفران ولا الورث ولا تنتقب المرأة الحرام ولا تلبس القفازين" حديث رقم 833 صحيح البخارى .
  • وسبحان الله العظيم وبحمده ، هل فهم أحد من العرب من قول النبى –صلى الله عليه وسلم – "ولا السراويل" أقول هل فهم عاقلٌ من النهى عن لبس السروايل فى الإحرام أن يخرج الرجال المُحرمون مظهرين عوراتهم المُغلظة ؟                أقول إن غاية ما فى الأمر أن الرجال المُحرِمون منهيون عن استخدام السراويل فى ستر عوراتهم ، ولكن يجب عليهم سترها بشئ آخر وهو الإزار الغير مخيط .
  • وكذلك لو نظرنا بعين المتجرد الباحث عن الحق لمجموع الأدلة الشرعية فى هذه المسألة فسنرى واضحاً أن المرأة المُحرمة منهية عن استخدام النقاب لستر وجهها وكذلك هى منهية عن استخدام القفازين لستر كفيها .. وليس معنى ذلك أن يكون الحج موسماً لعرض وجوه النساء على الناس .. وغاية ما يفهمه عقل العاقل هو أن لا تستخدم المرأة المُحرمة النقاب والقفاز ولكنها تسترهما بغيرهما من الوسائل كما  فعلت أمنا الطاهرة المطهرة الصديقة بنت الصديق عائشة – رضى الله عنها وعن أبيها – وكما فعلت نساء الصحابة فى مثل هذه الظروف، وأيضاً كما ذكر الشافعى فى الأم : "إن طافت بالنهار سدلت ثوبها على وجهها"
  • وسبحان الله العظيم : يقول ربنا "إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون" – ولله المثلُ الأعلى - وكذلك قول سيد الخلق صلى الله عليه وسلم كلاماً عربياً فصيحاً فقد أوتى – صلى الله عليه وسلم – جوامع الكلم ، وهنا نرى أنه – صلى الله عليه وسلم – ينهى المرأة المحرمة عن لبس النقاب ولبس القفازين ولم يأمرها قط بكشف وجهها وكفيها ، بل نهاها عن استخدام تلك الوسيلتين لستر وجهها كما نهى الرجل المُحرم عن استخدام السروال لستر عورته المُغلظة ، ولكن على المرأة أن تستر وجهها وكفيها بوسيلة أخرى بخلاف الوسيلة التى نُهيت عنها كما وأنه يجب على الرجل ستر عورته بوسيلة أخرى خلاف التى نُهىَ عن استخدامها ، { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم } (البقرة 213) .
  • وعندما يتحدث الأئمة الثلاثة وغيرهم عن عورة المرأة فإنما يتحدثون عنها في باب الصلاة فيقولون عن المرأة " كلها عورة إلا وجهها وكفيها " ولكن هذه العبارة يتم بترها بتراً من سياقها وإقحامها إقحاماً في باب حجاب المرأة المسلمة ، وحقيقة الأمر أن هذه العبارة ليست إلا حجاب المرأة في الصلاة ، التى تكون فيها بمنأى دائماً عن عيون الرجال الأجانب ، وقد رأينا أنه عند تعرضها لعيون الرجال وجب عليها ستر وجهها وكفيها .
  • وملخص هذه المسألة التى زل فيها الناس إلا من رحم الله : أن من يُدخل تحريم النقاب على المرأة المُحرمة في باب أحكام حجاب المرأة فهو تماماً كمن يفهم من تحريم لبس السراويل على الرجل المُحرم أن عليه كشف عورتيه المغلظتين ، وفى حقيقة الأمر أن هذه كلها محظورات إحرام وليست أحكاماً للحجاب أو اللباس، والله أعلى وأعلم
  • وقد صح وثبت أن أمهات المؤمنين والصحابيات والتابعيات يغطين وجوههن إذا مرت بهن الركبان وهن محرمات في الحج، فقد سُئلت أم المؤمنين عائشة – رضى الله عنها - : "كيف تخمر المرأة وجهها ؟ فأخذت أسفل خمارها فغطت به وجهها"  ( وهذا خبرٌ صحيحٌ أخرجه مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مرعبل في مسنده  (وُلد حدود الخمسين والمائة هـ وتُوفىَ سنة ثمان وعشرين ومائتين) ( حدث عنه : البخاري ، وأبو داود ، ومحمد بن يحيى ، وولده يحيى ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم ، ويعقوب الفسوي ، ويعقوب السدوسي ، ومعاذ بن المثنى ، وأبو إسحاق الجوزجاني ، وإسماعيل القاضي ، وأخوه  - حماد بن إسحاق ، وابن عمه يوسف القاضي ، وأبو خليفة الجمحي . قال أحمد بن حنبل : مسدد صدوق ، فما كتبت عنه فلا تعد . وقال أبو الحسن الميموني : سألت أبا عبد الله الكتاب لي إلى مسدد ، فكتب لي إليه . وقال : نعم الشيخ عافاه الله . وقال محمد بن هارون الفلاس : سألت يحيى بن معين عن مسدد ، فقال : صدوق . وقال جعفر بن أبي عثمان : قلت لابن معين : عمن أكتب بالبصرة ؟ قال : اكتب عن مسدد فإنه ثقة ثقة . وقال النسائي : ثقة) . 
  • وقد قال الإمام الموزعي الشافعي في كتابه أحكام القرآن : " لم يزل عمل الناس على هذا قديماً وحديثاً في جميع الأمصار فيتسامحون للعجوز في كشف وجهها ولا يتسامحون للشابة، ويرونه عورة ومنكراً، وقد تبين لك وجه الجمع بين الآيتين، ووجه الغلط لمن أباح النَّظر إلى وجه المرأة لغير حاجة، والسلف والأئمة كمالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم لم يتكلموا إلا في عورة الصلاة فقال الشافعي ومالك : ما عدا الوجه والكفين وما أظنُّ أحداً منهم يُبيح للشابَّة أن تكشف وجهها لغير حاجة، ولا يبيح للشابِّ أن ينظر إليها لغير حاجة " .. تيسير البيان لأحكام القرآن (١٠٠٢/٢) .
  • أما حديث الخثعمية فلا يدل أبداً على جواز كشف المرأة لوجها وقد صح في مسند أبى يعلى عن ابن عباس أن أباها أتى يعرضها على النبي صلى الله عليه وسلم للزواج والكشف هنا جائز فصرف نظر الفضل وبقي هو .. رواه أبو يعلى بسند صحيح .
  • وأما حديث أسماء : - فقد رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا- وأشار إلى وجهه وكفيه.
  • قال أبو داود هذا مرسل خالد بن دريك لم يدرك عائشة رضي الله عنها. وقال ابن القطان: ومع هذا فخالد مجهول الحال.
  • وقال المنذري: في إسناده سعيد بن بشير أبو عبد الرحمن النصري نزيل دمشق مولى بني نصر وقد تكلم فيه غير واحد.
  • فالحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم .
  • فالحديث يرويه خالد بن دريك عن عائشة ولم يسمعه منها فهو منقطع .. أعله أبو داود والبيهقي وغيرهم .. ثم هو في لباس الصلاة وليس الحجاب .
  • أما الذي نُقل عن أن الإمام الألبانى قال (( صحيح )) فالصوابُ أن الإمام الألباني رحمه الله تبارك وتعالى يصحح الأحاديث بكثرة الطرق . 
  • وقد صح تضعيفه عن العلامة ابن باز رحمه الله  . 
  •  وضعفهُ الإمام ابن عثيمين رحمه الله تبارك وتعالى .
  • ولتفصيل العلل التي وردت في الحديث موضع آخر إن شاء الله وخصوصاً رواية قتادة بن دعامة السدوسي .
  • وإنما صحح الحديث الإمام الألباني - رحمه الله - لطرقهِ ! وهذا هُو منهج الإمام الألباني رحمه الله تعالى أما الروايات فقد وردت الطُرق الثلاثة  وكُلها لا تصح منفردة .. ولو أتينا إلي الشواهد التي تقول أنها تتقوى ببعضها البعض فهذا محل نظر فإن الصحيح عند أهل الحديث أن الضعيف لا يزداد بالضعيف إلا ضعفاً وأسأل الله أن ييسر لنا توضيح ذلك بالتفصيل قريباً 
  • ويقول الإمام ابن عثيمين رحمه الله تعالى عن متن حديث أسماء بأن هذا لا يليق بمقام النبي أن يرى أسماء بنت أبي بكر بهذه الحال ، ولا يليق بها أن تدخل على النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الحال فهذا بحد ذاتهِ مِنْ المنكرات في متن الحديث والذي لأجله إضافة إلي علة السند أعل العلماء الحديث متناً .
  • ثم كيف نصحح الحديث بشواهده وقد انفرد به سعيد بن بشير عن قتادة وخالفهُ الثقة الجليل هشام الدستوائي في روايته عن قتادة ولم يذكر في روايته الزيادة المنكرة عن سعيد بن بشير وكما أشرت فهو ضعيف الحديث وقد ضعفهُ غير واحد من أهل الجرح والتعديل والصحيحُ أنهُ ضعيفٌ عند التحقيق .
  • كما وأن الشواهد التي ذكروا أنها تعضدُ رواية سعيد بن بشير أو تقوي حديث أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - لو نظرنا إليها منفردةً لتبين لنا ضعف الطرق التي وردت فيها فلا تصح ، فالطرقُ هذه لا تخلو من الضعف ومن الشذوذ ومن النكارة
  • وفي النهاية : هذه كتب الأئمة الأربعة مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بين أيدينا ليس فيها نص يجيز كشف وجه المرأة ومن وقف فليُفد وقول أتباعهم ليس قولاً لهم .

AddThis